فهرس الكتاب

الصفحة 423 من 565

كشفا لم يكشفه أحد ببصر وفهم وفطنة وتقى. وقال الثوري لمن قال له: جئت من عند أبي حنيفة: لقد جئت من عند أعبد أهل الأرض) (1) .

ومن هذا نعلم أن الأئمة المجتهدين والعلماء العاملين، هم الصوفية حقيقة.

فإن قال قائل: لو أن طريق التصوف أمر مشروع، لوضع فيه الأئمة المجتهدون كتبا، ولا نرى لهم قط كتابا في ذلك؟

يجيب الشعراني رحمه الله تعالى على هذا فيقول:(إنما لم يضع المجتهدون في ذلك كتابا لقلة الأمراض في أهل عصرهم، وكثرة سلامتهم من الرياء والنفاق. ثم بتقدير عدم سلامة أهل عصرهم من ذلك، فكان ذلك في بعض أناس قليلين، لا يكاد يظهر لهم عيب.

وكان معظم همة المجتهدين إذ ذاك إنما هو في جمع الأدلة المنتشرة في المدائن والثغور مع أئمة التابعين وتابعيهم، التي هي مادة كل علم، وبها يعرف موازين جميع الأحكام، فكان ذلك أهم من الاشتغال بمناقشة بعض أناس في أعمالهم القلبية التي لا يظهر بها شعار الدين، وقد لا يقعون بها في حكم الأصل.

ولا يقول عاقل قط: إن مثل الإمام أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد رضي الله عنهم، يعلم أحدهم من نفسه رياء أو عجبا أو كبرا أو حسدا أو نفاقا ثم لا يجاهد نفسه ولا يناقشها أبدا. ولو لا أنهم يعلمون سلامتهم من تلك الآفات والأمراض لقدموا الاشتغال بعلاجها على كل علم) (2) .

(1) «حاشية ابن عابدين» ج 1. ص 43.

(2) «لطائف المنن والأخلاق» للشعراني ج 1 ص 25 - 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت