فهرس الكتاب

الصفحة 2044 من 2268

الوجه الثالث: إنّ قولهم ذلك كان على سبيل الاستهزاء والسخرية دفعا لدعوته صلى الله عليه وسلم، وتعللا لعدم إجابته وانقياده، لا تفويضا للكائنات إلى مشيئة الله تعالى. فما صدر عنهم، كلمة حقّ أريد بها باطل. ولذلك ذمّهم الله بالتكذيب لأنهم قصدوا به تكذيب النبيّ صلى الله عليه وسلم في وجوب اتباعه والمتابعة، فقال: كَذلِكَ كَذَّبَ بالتشديد، ولم يذمهم بالكذب في قولهم ذلك، وإلّا لقال (كذلك كذب) بالتخفيف، إشارة إلى أن ذلك الكلام في نفسه حق وصدق.

وقال آخر: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ} فأشار إلى صدق مقالتهم وفساد غرضهم. فالعتاب الذي لحقهم والوعيد الذي أوعدهم، إنما كان لاستهزائهم، كما ذكر في قوله تعالى: {وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} [مريم: 66] . هي كلمة حقّ. لكن قالها استهزاء فلحقه الذم.

وهذا الوجه اقتصر عليه العضد في (المواقف) وقرره أيضا أبو منصور في (تأويلاته) .

قال الحسن بن الفضل: لو قالوا هذه المقالة تعظيما لله وإجلالا له ومعرفة بحقه وبما يقولون، لما عابهم بذلك. ولكنهم قالوا هذه المقالة تكذيبا وجدلا. من غير معرفة بالله وبما يقولون.

الوجه الرابع: ما يستفاد من قول الإمام: إنّ في كلام المشركين مقدمتين:

(أحداهما) : أن الكفر بمشيئة الله تعالى. و (الثانية) : أنه يلزم منه اندفاع دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم. وما ورد من الذمّ والتوبيخ إنما هو على الثانية، إذ الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يشاء من الكافر الكفر ويأمره بالإيمان ويعذبه على خلافه ويبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دعاة إلى دار السلام، وإن كان لا يهدي إلّا من يشاء.

الوجه الخامس: إن قولهم ذلك كان على سبيل العناد والعتوّ.

قال البقاعي في قوله تعالى: {كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي: بما أوقعوا من نحو هذه المجادلة في قولهم: إذا كان الكل بمشيئة الله كان التكليف عبثا، فكانت دعوى الأنبياء باطلة. وهذا القول من المشركين عناد بعد ثبوت الرسالات بالمعجزات وإخبار الرسل بأنه يشاء الشيء ويعاقب عليه لأن ملكه تامّ، لا يسأل عما يفعل.

وقال الإمام القاشاني قدس الله سره، في قوله تعالى: {كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي: كذب المنكرون الرسل من قبلهم بتعليق كفرهم بمشيئة الله، عنادا وعتوّا، فعذّبوا بكفرهم.

ثم قال في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا} أي: إن كان لكم علم بذلك وحجة، فبيّنوا.

وإنما قال ذلك، إشارة إلى قولهم: {لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا} لأنهم لو قالوا ذلك عن علم، لعلموا أن إيمان الموحّدين وكلّ شيء، لا يقع إلا بإرادة الله. فلم يعادوهم ولم ينكروهم بل والوهم، ولم يبق بينهم وبين المؤمنين خلاف. ولعمري إنهم لو قالوا ذلك عن علم، لما كانوا مشركين بل كانوا موحّدين، ولكنهم اتبعوا الظنّ في ذلك، وبنوا على التقدير والتخمين لغرض التكذيب والعناد، وعلى ما سمعوا من الرسل إلزاما لهم وإثباتا لعدم امتناعهم عن الرسل. لأنهم محجوبون في مقام النفس. وأنّى لهم اليقين؟ ومن أين لهم الاطلاع على مشيئة الله؟

وقوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ} أي: إن كان ظنكم صدقا في تعليق شرككم بمشيئة الله، فليس لكم حجة على المؤمنين وعلى غيركم من أهل دين، لكون كل دين حينئذ بمشيئة الله، فيجب أن توافقوهم وتصدقوهم، بل لله الحجة عليكم في وجوب تصديقهم وإقراركم بأنكم أشركتم، بمن لا يقع أمر إلّا بإرادته، ما لا أثر لإرادته أصلا. فأنتم أشقياء في الأزل مستحقّون للبعد والعقاب.

وقوله تعالى: {فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ} أي: بلى، صدقتم. ولكن كما شاء كفركم لو شاء لهداكم كلّكم، فبأي شيء علمتم أنه لم يشأ هدايتكم حتى أصررتم؟ وهذا تهييج لمن عسى أن يكون له استعداد منهم فيقمع ويهتدي فيرجع عن الشرك ويؤمن. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت