فهرس الكتاب

الصفحة 2046 من 2268

الوجه السادس: ما في (لباب التأويل) من أنه قيل في معنى الآية: أنهم كانوا يقولون الحقّ بهذه الكلمة - وهو قولهم لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا - إلّا أنهم كانوا يعدّونه عذرا لأنفسهم، ويجعلونه حجّة لهم في ترك الإيمان. والردّ عليهم في ذلك:

أنّ أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته فإن الله تعالى مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد، فعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته، فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد عليه في فعله، فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر ولا يرضى به ولا يأمر به، ومع هذا فيبعث الرسل إلى العبد ويأمره بالإيمان. وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع. فالحاصل: أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في شركهم وكفرهم، فأخبر الله تعالى أنّ هذا التمسك فاسد باطل، فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله تعالى في كلّ الأمور دفع دعوة الأنبياء عليهم السلام. انتهى.

الوجه السابع: ما قرره الناصر في (الانتصاف) : إنّ الرد عليهم إنّما كان لاعتقادهم أنهم مسلوبون اختيارهم وقدرتهم، وإنّ إشراكهم إنما صدر منهم على وجه الاضطرار، وزعموا أنّهم يقيمون الحجّة على الله ورسله بذلك. فردّ الله قولهم وكذبهم في دعواهم - عدم الاختيار لأنفسهم - وشبّههم بمن اغترّ قبلهم بهذا الخيال فكذب الرسل. وأشرك بالله، واعتمد على أنه إنما يفعل ذلك كلّه بمشيئة الله، ورام إفحام الرسل بهذه الشبهة.

ثم بيّن الله تعالى أنهم لا حجّة لهم في ذلك، وأن الحجة البالغة له لا لهم، بقوله {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ} .

ثم أوضح تعالى أنّ كل واقع بمشيئته، وإنه لم يشأ منهم إلّا ما صدر عنهم. وأنه لو شاء منهم الهداية لاهتدوا أجمعون بقوله فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ: والمقصود من ذلك: أن يتمحّض وجه الردّ عليهم، ويتخلص عقيدة نفوذ المشيئة، وعموم تعلقها بكلّ كائن عن الرّد وينصرف الرّد إلى دعواهم بسلب الاختيار لأنفسهم، وإلى إقامتهم الحجة بذلك خاصة. وإذا تدبّرت هذه وجدتها كافية في الرد على من زعم من أهل القبلة أن العبد لا اختيار له ولا قدرة ألبتة. بل هو مجبور على أفعاله مقهور عليها. وهم الفرقة المعروفون ب (المجبرة) .

والزمخشري يغالط في الحقائق فيسمي أهل السنة مجبرة وإن أثبتوا للعبد اختيارا وقدرة، لأنهم يسلبون تأثير قدرة العبد ويجعلونها مقارنة لأفعاله الاختيارية مميزة بينها وبين أفعاله القسرية. فمن هذه الجهة سوّى بينهم وبين المجبرة، ويجعله لقبا عامّا لأهل السنة. وبإجماع الردّ على المجبرة - الذين ميزناهم

عن أهل السنة - في قوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا - إلى قوله تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ} .

وتتمة الآية ردّ صراح على (طائفة الاعتزال) القائلين بأنّ الله تعالى شاء الهداية منهم أجمعين. فلم تقع من أكثرهم!

ووجه الردّ: أن (لو) إذا دخلت على فعل مثبت نفته فيقتضي ذلك أن الله تعالى لما قال فَلَوْ شاءَ لم يكن الواقع أنه شاء هدايتهم. ولو شاءها لوقعت. فهذا تصريح ببطلان زعمهم ومحلّ عقدهم. فإذا ثبت اشتمال الآية على ردّ عقيدة الطائفتين المذكورتين - المجبرة في أوّلها والمعتزلة في آخرها - فاعلم أنها جامعة لعقيدة السنّة منطبقة عليها. فإن أوّلها - كما بيّنا - يثبت للعبد اختيارا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان، وآخرها يثبت نفوذ مشيئة الله في العبد، وأنّ جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية، خيرا أو غيره. وذلك عين عقيدتهم. فإنهم - كما يثبتون للعبد مشيئة وقدرة - يسلبون تأثيرها، ويعتقدون أن ثبوتهما قاطع لحجّته، ملزم له بالطاعة على وفق اختياره. ويثبتون نفوذ مشيئة الله أيضا وقدرته في أفعال عباده.

فهم - كما رأيت - تبع للكتاب العزيز: يثبتون ما أثبت، وينفون ما نفى، مؤيدون بالعقل والنقل. والله الموفق. انتهى.

وقد أخرج الحاكم عن ابن عباس أنه قيل له: إن ناسا يقولون: ليس الشرّ بقدر.

فقال ابن عباس: بيننا وبين أهل القدر هذه الآية: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} [الأنعام: 148] .. - إلى قوله {فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ} .

وبتحقيق هذه الوجوه يسقط قول الطبرسي المعتزلي: لو كان الأمر على ما قاله أهل الجبر - من أن الله تعالى شاء منهم الكفر - لكانت الحجة للكفّار على الله، من حيث فعلوا ما شاء الله، ولكانوا بذلك مطيعين له. لأن الطاعة هي امتثال الأمر المراد، ولا تكون الحجة لله عليهم على قولهم، من حيث إنه خلق فيهم الكفر وأراد منهم الكفر. فأيّ حجّة له عليهم مع ذلك؟ انتهى.

وكذا قول الزمخشري: ما حكي عن المشركين كمذهب المجبرة بعينه. ولذا قال النحرير: نعم! هو كمذهبهم في كون كلّ كائن بمشيئة الله. لكن الكفرة يحتجّون بذلك على حقية الإشراك وتحريم الحلال وسائر ما يرتكبون من القبائح.

وكونها ليست بمعصية لكونها موافقة للمشيئة التي تساوي معنى الأمر، على ما هو مذهب القدرية: من عدم التفرقة بين المأمور والمراد، وأنّ كلّ ما هو مراد لله فهو ليس بمعصية منهي عنها. والمجبرة - وإن اعتقدوا أن الكلّ بمشيئة الله - لكنهم يعتقدون أن الشرك وجميع القبائح معصية ومخالفة للأمر يلحقها العذاب بحكم الوعيد، ويعفو عن بعضها بحكم الوعد. فهم - في ذلك - يصدّقون الله فيما دلّ عليه العقل والشرع من امتناع أن يكون أكثر ما يجري في ملكه على خلاف ما يشاء.

والكفرة يكذّبونه في لحوق الوعيد على ما هو بمشيئته تعالى. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت