وتشفق منها وهي مستسلمة لأمر الله؟ وما معنى حمل الإنسان للأمانة؟ وما المراد بالإنسان المذكور هنا؟ ولماذا وُصِف بأنه ظلوم جهول؟
سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة بإيجاز، ليتضح لنا المعنى الراجح للآية.
أساس معنى العرض هو: الإبراز والإظهار والتقديم، والدعوة إلى الشيء. نقول: عرضت السلعة على المشتري، أي: أبرزتها وأظهرتها وقدمتها له، ودعوته إلى أن يأخذها.
وأساس معنى الأمانة هو: الشيء الذي يؤتمن عليه الإنسان، ويُدعى إلى الاحتفاظ به، وحُسن أدائه.
وأساس معنى الإباء هو: شدة الامتناع. تقول: أبي فلان فعل كذا، أي امتنع من فعله.
وأساس معنى الحمل هو: أخذ الشيء. تقول: حمل الرجل متاعه، أي: أخذه وانطلق به.
وأساس معنى الإشفاق: الخوف. تقول: أشفق فلان من كذا، أي: خاف منه.
ولا تراد هذه المعاني لهذه الكلمات في الآية هنا، أي أن هذه الكلمات ليست على ظاهرها، ولو أخذناها على ظاهرها لفسد المعنى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} .
أي: إن الله قدم أمانة التكليف للسماوات والأرض والجبال، ودعاها إلى أخذها والقيام بها وأدائها، ولكن السماوات والأرض والجبال امتنعن من ذلك أشد الامتناع، ورفضنه وأبينه، ولم يُنفّذن التكليف الذي كلّفهن الله به، وذلك من شدة خوفهنّ من القيام والتنفيذ. ولما عرض الله أمانة التكليف على الإنسان، وطالبه بالقيام بها وأخذها، لم يأبَ ولم يمتنع ولم يُشفق، بل أخذها وحملها والتزم بها، وما فعل ذلك إلا لأنه ظلوم جهول!
لو فسّرنا الآية هذا التفسير لوقعنا في عدة محاذير: فهل يخيّر الله الجمادات من السماوات والأرض والجبال ويستمزجها لتحمل الأمانة؟ وهل هذه الجمادات عندها قدرة على الاختيار والقبول أو الرفض؟ وكيف خاطب الله هذه الجمادات وردّت عليه؟