وامتناع هذه الجمادات وإشفاقها من أداء واجب التكليف أليس هو رفض لأمر الله؟ ألا يني هذا أنها عصت أمر الله وتمرّدت عليه؟ وهل يتمرّد هذا الكون على الله؟
إذن: ليس المقصود في الآية حقيقة وظاهر العرض والتكليف لهذه الجمادات، ولا ظاهر الخطاب والردّ، ولا ظاهر الإباء والرفض والامتناع.
إن الآية تريد أن تبيّن لنا عدم"صلاحية"الجمادات في السماوات والأرض والجبال للتكليف، لأن الله لم يزوّدها بالإرادة والعقل والاختيار، كما تريد أن تبيّن لنا"صلاحية"الإنسان للتكليف، لأن الله زوّده بالعقل والإرادة والقدرة على الاختيار.
فعرضت الآية هذه الحقيقة النظرية في صورة تمثيلية، لتقريب مضمونها للسامع والقارئ.
وكأن الآية تقول: لو أنطق الله السماوات والأرض والجبال، ثم عرض عليها الأمانة، واستمزجها للتكليف، وأخذ رأيها به، لخافت وأشفقت، لأنها تعلم أنها غير مؤهلة له، ولو قبلته وأخذته لقصّرت في التنفيذ والأداء، ولذلك لو خيّرها الله بذلك، لطلبت من الله أن يعذرها، وأن لا يبتليها به، ولقالت له: نرجوك يا ربنا أن لا تكلفنا ولا تبتلينا بالأمانة والعهد، ولا نريد منك أجرا ولا ثوابا، وإننا نعلم أننا لا نقدر على الالتزام والأداء، ونحن يا ربنا خاضعون لك، مستسلمون منقادون لأمرك، بدون تكليف ولا مسؤولية.
أما الإنسان - باعتبار جنسه - فكأن الآية تقول لنا: لو أن الله عرض عليه أمانة العهد والتكليف والمسؤولية، وقال له: أيها الإنسان: هل تأخذ أمانة التكليف والعهد، بحيث أوجب عليك واجبات، وأحرم عليك محرمات، وأحدد لك مهمة ورسالة، فإن وفيت بذلك، ومنحتك الأجر والثواب، وإن قصّرت ونقضت وخالفت حَكَمْتُ عليك بالعقاب والعذاب، لو قال الله للإنسان هذا، لقال: قبلت يا رب، التكليف، وحملت الأمانة، لأنك أعطيتني ما أقدر به على القيام بذلك، من العقل والإرادة، والاختيار.