هذا المعنى هو الذي عرضته الآية بطريقتها التصويرية التمثيلية، لتقريبه للذهن البشري: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ} .
إن الله عليم حكيم سبحانه وتعالى، ولهذا خلق المخلوقات المختلفة بقدرته وعلمه وحكمته، ومنح كل مخلوق منها ما منح، بعلمه وحكمته، وزوّد كل مخلوق بأمور خاصة به، لم يزوّد المخلوقات الأخرى بها، بعلمه وحكمته.
لقد أراد الله الحكيم خلق السماوات والأرض والجبال على ما خلقها عليه، وجعلها خاضعة مستسلمة له، خضوعا تسخيريا لا إراديا، يجري عليها أمره وقضاؤه، فلا تعصي ولا تخالف ولا تتمرد.
وهذا هو المعنى الذي يقرره قوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت: 9 - 12] .
إن الله الحكيم الذي خلق السماوات والأرض على هذه الصورة، يعلم أنها غير مؤهلة ولا مهيّأة لحمل أمانة التكليف والعهد والمسؤولية، فلم يؤهّلها سبحانه لذلك، ولم يمنحها الإرادة والعقل والقدرة على الاختيار، ولذلك أوجدها على هذه الصورة من الخضوع التسخيري اللاإرادي له سبحانه.
أما الإنسان - الكائن الصغير الضئيل بالقياس إلى السماوات والأرض - فقد أراد الله العليم الحكيم أن يجعله"محلّا"للمسؤولية، مهيّئًا للعهد والأمانة، فخلقه الله خلقا خاصا، وجعل فيه من المؤهّلات الفطرية الإنسانية ما يرشّحه لهذا.
ولذلك لما خلق الله أول إنسان - وهو آدم عليه السلام - أخبر الملائكة عن إرادته وحكمته بجعل هذا الإنسان خليفةً له في الأرض، وتكليفه - هو وذريّته - بأمانة الخلافة والعهد