فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 331

فإن الاحتكام إلى حكم الله واجب، وإذا كان المتحاكمون إلى حكم الجاهلية جاحدين كافرين، فإن المتحاكمين إلى حكم الله مؤمنون صالحون: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ؟} .

وقد أضافت الآية الحكم إلى الجاهلية: (حكم الجاهلية) وهذه الإضافة تدل على أن الحكم بغير ما أنزل الله من مظاهر الجاهلية، وأن الجاهلية قد تكون في الحكم والتشريع، والقانون والقضاء، والسياسة والإدارة.

هناك حكم جاهلي، وتشريع جاهلي، وقانون جاهلي، وقضاء جاهلي، وسياسة جاهلية، وإدارة جاهلية، ومن ثم هناك مجتمع جاهلي، وحكومة جاهلية، ودولة جاهلية.

ولا تكون هذه المظاهر جاهلية، إلا إذا استُمدت من غير شرع الله ومنهاجه، وقد تصيب هذه الجاهلية النظام أو الحكومة، إذا لم يكن منهاج الحياة والحكم فيها مستمدا من حكم الله، مهما كان الزمان والمكان والتقدم والعمران.

وأقتبس هنا هذه الفقرة الرائعة للأستاذ المفسر الرائد سيد قطب رحمه الله في توضيح حكم الجاهلية وتحديد معناها:

(إن معنى الجاهلية يتحدد بهذا النص، فالجاهلية - كما يصفها الله ويحددها قرآنه - هي: حكم البشر للبشر، لأنها هي عبودية البشر للبشر، والخروج من عبودية الله، ورفض ألوهية الله، والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر، وبالعبودية لهم من دون الله.

إن الجاهلية - في ضوء هذا النص - ليست فترة من الزمان، ولكنها وضع من الأوضاع، هذا الوضع يوجد بالأمس، ويوجد اليوم، ويوجد غدا، فيأخذ صفة الجاهلية، المقابلة للإسلام، والمناقضة للإسلام.

والناس - في أي زمان وفي أي مكان - إما أنهم يحكمون بشريعة الله - دونه فتنة عن بعض منها - ويقبلونها، ويسلمون بها تسليما، فهم إذن في دين الله، وإما أنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر - في أي صورة من الصور - ويقبلونها، فهم إذن في جاهلية) (1)

(1) في ظلال القآن، 2:409

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت