هذه الآيات من سورة الفتح، التي نزلت في أعقاب صلح (( الحديبية ) )الذي عقده الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع قريش في السنة السادسة من الهجرة.
وتتكلم هذه الآيات عن حكمة الله في عدم نشوب القتال بين قريش الكفار وبين المسلمين، لما منعت قريش الرسول - صلى الله عليه وسلم - من دخول مكة معتمرا، وفي تقديره عقد صلح الحديبية بين الفريقين.
إن الله لم يُرِد نشوب القتال بينهما بسبب وجود رجال مؤمنين ونساء مؤمنات في مكة، مستخفين بإيمانهم، لا يعرفهم المسلميون، فلو وقع القتال مع الكفار، فقد يقتل المسلمون بعض إخوانهم المستخفين خطأ، وبذلك يندمون، ولو انفصل هؤلاء المؤمنون عن مجموع الكافرين لأنشب الله القتال، وعذب الكفار على أيدي المؤمنين عذابا أليما.
فالكفار يستحقون القتل، لأنهم كفروا بالله أولا، وصدّوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين عن دخول المسجد الحرام معتمرين، وهي أول مرة يفعلونها، وبذلك منعوا هديَ العمرة الذين مع المسلمين من الوصول إلى المناسك، ليذبح فيها.
هذا هو معنى قوله: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 25] .
أما الآية الثالثة في هذه المجموعة - وفيها الشاهد على ما نريد ــــــ فإنها تعلل الحديث، وتبين السبب الذي دفع الكفار إلى هذا التصرف الغريب، إنه (( حمية الجاهلية ) )التي جعلوها في قلوبهم: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ}
وبينما كانت حمية الجاهلية تستفز الكفار، وتدعوهم إلى تلك التصرفات الهوجاء المستنكرة، كانت السكينة تملأ قلوب المؤمنين، وتدفعوهم إلى الهدوء والطمأنينة: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} .