وحتى ندرك مدى تعمق (( حمية الجاهلية ) )في قلوب الكفار، التى دفعتهم إلى موقفهم المستهجن ضد المسلمين، نورد رواية صحيحة موجزة عن بعض ما جرى في (( الحديبية ) )، قبيل عقد الصلح.
روى البخارى في كتاب الشروط عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم خروج الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع المسلمين إلى مكة للعمرة، ومن روايتهما نأخذ هذه المقتطفات:
(( ... ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لايسألونني خطة يعظّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها .. ) )
(( وقال بديل بن ورقاء الخزاعي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: ... وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين. وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرّت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس. فإن أظهر، فإن شاؤوا أن يدخلو فيما دخل فيه الناس، فعلوا، وإلا فقد جمّوا(أي: إن أهلك استراحو مني) ، وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده، لأقاتلنّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، وليُنفذنّ الله أمره )).
فذهب بديل بن ورقاء إلى قريش، وأبلغهم ما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم -
فقام عروة بن مسعود، وقال لقريش: إن محمدا قد عرض عليكم خطة رشد، اقبلوها ودعوني آته.
قالوا: ائتِه.
فأتى عروة بن مسعود الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وجرى بينهما كلام كثير، تدخل فيه أبو بكر الصديق والمغيرة بن الشعبة رضى الله عنهما.
ولما عاد عروة إلى قريش، قال لهم: والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، ووالله ما رأيت مليكا قط يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدا .. وإنه عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها )) .