وحمل الهدهد الكتاب من سليمان - عليه السلام -، وذهب به إلى سبأ، وألقاه إلى الملكة. ولما قرأت الملكة الكتاب، فهمت دعوة سليمان - عليه السلام -، وأنها إن لم تدخل في الإسلام، فسوف يعلن عليها الحرب، وعرفت أنها مقدمة على تطورات خطيرة، وأحداث كبيرة.
جمعت ملكة سبأ مجلس الشورى عندها، ودعت الملأ المستشارين إلى التفكير في الأمر، وطلبت مشورتهم، وأخبرتهم أنها لا تقطع أمرا من أمور الدولة إلا بعد موافقتهم ورضاهم واستشارتهم ....
قال الله عزوجل: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَاتُونِي مُسْلِمِينَ. قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ. قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَاسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَامُرِينَ. قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) [النمل: 29 - 35] .
وعند ما ننظر في هذه المحاورة الاستشارية بين ملكة سبأ وبين الملأ المستشاورين من قومها، فإننا نخرج بما يلي:
1 -نظام الأحكام في مملكة سبأ اليمنية العربية كان"ملكيا شوريا"، على رأسه الملكة، وحولها ملأ مستشارون من قومها.
2 -كانت الملكة تشاور الملأ من قومها في القضايا العامة، وتلتزم بما يشيرون به عليها، ولا تتخذ قرارا، ولا تقطع أمرا، إلا بعد استشارتهم، بدليل قولها: {مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونَ} .
3 -عبرت الملكة عن طلب المشورة من مستشاريها بقولها: {يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ: أَفْتُونِي فِي أَمْرِي} . فهي تطلب الفتوى، لتعرف كيف تتصرف.
4 -العجيب أن المستشارين في هذه المسألة لم يشيروا عليها بشيء، بل أعادوا القرار إليها، وما هم إلا قوم مأمورون، ينفذون ما تأمرهم به: {وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} . الأمر أمرها، والرأي رأيها، والقرار قرارها.