5 -صارحوها بأنهم أمامها لا يجيدون إلا التنفيذ، فهم أولو قوة وأولو بأس شديد، أما التفكير فلا يجيدونه، التفكير، والرأي، والقرار لها، والفعل والتنفيذ عليهم: {قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ، وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ، وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ ... } فماذا تقول في هؤلاء المستشارين؟ تخبرهم الملكة أنها بحاجة ماسة لرأيهم، والبلاد بحاجة ماسة لرأيهم، فيخبرونها بأنهم ليسوا أولي فكر ورأي ومشورة، وإنما أولو قوة في التنفيذ، وبأس شديد في العمل!!.
6 -وبما أن المستشارين جعلوا الرأي والأمر والقرار إليها، وفوضوها في الرد المناسب على رسالة سليمان - عليه السلام -، فقد كان قرارها وتصرفها يتفق مع طبيعة النساء في الغالب.
إن معظم النساء لا يفضلن الحرب والقتال وسفك الدماء، وإنما يفضلن المسالمة والمهادنة والملاينة، وعند ما تلي المرأة أمر الأمة، فإنها - غالبا - تميل إلى السلام والموادعة.
كان رأي ملكة سبأ نبذ الحرب والقتال، خوفا على بلدها من التدمير والفساد، وعللت ذلك بقولها: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا، وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} .
قررت ملكة سبأ موادعة سليمان - عليه السلام - ومصانعته، بإرسال الهدايا له، لعلها تسكته عن دعوته، وتكفه عن التوجه إليها واحتلال بلادها: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ، فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} .
لكن سليمان - عليه السلام - كان ملكا عادلا، وكان نبيا رسولا، لذلك رفض هذه المحاولة من ملكة سبأ، وأعاد الهدية مع حامليها، وهدد بغزو بلادها، إن لم تأت مسلمة مع قومها: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ. ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَاتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل:36 - 37] .
وبعد تطورات ومفاجآت، جاءت ملكة سبأ مسلمة لله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] .
الشورى في آيات قصة ملكة سبأ، وردت بصيغة الفتوى، وبإعلانها الالتزام بما يشيرون به: {أَفْتُونِي فِي أَمْرِي، مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونَ ... } .