وقد سجّل ابن إسحاق بعض ما جرى في ذلك الاجتماع الاستشاري:"فحذروا خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، فاجتمع الملأ منهم في دار الندوة، يتشاورون فيها، وما يصنعون برسول الله - صلى الله عليه وسلم -."
فاعترضهم (إبليس) في صورة شيخ نجدي وقال لهم: أنا شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اتّعدتم له واجتمعتم من أجله، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يَعْدِمكم منه رأيا ونصحًا.
فدخل معهم، يسمع ما يشيرون به، وطُرِحت بعض الآراء في الاجتماع، يشير بها أصحابها إلى التصرف المناسب.
قال أحدهم: احبسوا محمدًا في الحديد، وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به الموت.
فقال الشيخ النجدى - إبليس: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه، ليخرجنّه أصحابه، ولينزعنه من أيديكم.
وقال آخر: نخرجه من بين أظهرنا، وننفيه من بلادنا وإذا أخرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع.
فقال النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأيٍ، لئن أخرجتموه ستتابعه العرب، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم.
وقدّم أبو جهل الرأي الثالث: وأشار على الجالسين قائلاّ: أرى أن نأخذ من كل قبيلة شابًا جلدًا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارمًا، فيضربوه جميعا ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه، وعند ما يتفرق دمه في القبائل كلها، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فيرضوا منا بالدية!!
وعلق الشيخ النجدى - ابليس - على ما أشار به أبو جهل قائلًا: القول ما قال هذا الرجل، هذا هو الرأي الذي لا رأي غيره.
أجمع الزعماء المتشاورون على رأي أبي جهل، بعد ما زكّاه إبليس وأقرّه، واعتمدوه، وجمعوا الشباب على باب بيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليلة الهجرة، ومعهم سيوفهم، لينفّذوا ما اتفق عليه زعماء قريش.