فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 640

فان كان العدو يهدف إلى تقبله وتحسين صورته لدى من يخاطبهم، واكتشف المعني أهداف الخصم الحقيقة ووسائله الخبيثة لم يزدد له إلا عداءً ولم يزدد منه إلا نفورًا.

ومن هذا القبيل ما حذرنا القرآن الكريم من مكايد بني إسرائيل الذين يحاولون التودد إلى المسلمين وإرضائهم بزخرف القول ومعسول الكلام فقال: {هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمنًا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} (آل عمران: 119) .

ونفس الموقف أعاده القرآن في كشفه للمنافقين في محاولتهم استرضاء الصف المسلم، وتحذير المسلمين منهم حتى لا يتقبلهم المجتمع المسلم ولا يفسح لهم صدره: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَابَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} (التوبة: 8) .

وقد يكون هدف العدو تفريق جمع من يوجه لهم حملته وتشتيت وحدتهم وتمزيق كلمتهم، فإن أدرك هؤلاء غايات العدو لم يزدادوا إلا اجتماعًا، ولم يزدد صفهم إلا تماسكًا كالذي حدث حين حذر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين من شيطان اليهود الذي حاول شق وحدتهم فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟) وقال لهم (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) . فما كان من المسلمين إلا أن عانق بعضهم بعضًا وانصرفوا أشد ما تكون كلمتهم توثقًا وبنيانهم تراصًا ورجع كيد العدو إلى نحره وأصابته سهامه.

وقد يكون هدف العدو التشكيك في القيادة وجعل الجماهير تفقد حماستها لها وأيمانها بها، واعتقادها بكفايتها، كالحملات التي كان ينظمها ويخطط لها عبد الله بن أبي حتى تعود له الزعامة وتنفض القلوب من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يزداد الصف بمكائد هذا المنافق إلا تعلقًا بزعامة النبي صلى الله عليه وسلم {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (التوبة: 61) . وما قبل هذه الآية وما بعدها من سورة التوبة الكريمة.

{يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إلى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (المنافقون: 8) .

ومن أهداف العدو في حربه النفسية ضد عدوه إشاعة الانحلال وقالة السوء في المجتمع وإذاعة أخبار الفساد، ونشر حكايات الانحراف وقصص المشكلات الأخلاقية لما لهذه الأخبار من توهين للعزائم، وإضعاف للمقومات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت