فَبَلَغَ ذَلِكَ نَاسًا مِن أَصحَابِهِ، فَكَأَنَّهُم كَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنهُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ بَلَغَهُم عَنِّي أَمرٌ تَرَخَّصتُ فِيهِ، فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنهُ فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَعلَمُهُم بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُم لَهُ خَشيَةً.
رواه مسلم (2356) (127) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك، قال: وأما أنا فأصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني [1] . وقد تقدَّم في النكاح.
و (قوله: ما بال رجال بلغهم عني أني ترخصت في أمر فكرهوه [2] ، وتنزهوا عنه) هذا منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عدول عن مواجهة هؤلاء القوم بالعتاب، وكانوا معينين عنده، لكنه فعل ذلك لغلبة الحياء عليه، ولتلطُّفه في التأديب، ولسَتر المعاتب. وتنزه هؤلاء عما ترخص فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غلط أوقعهم فيه ظن أن المغفور له يسامح في بعض الأمور، ويسقط عنه بعض التكاليف، والأمر بالعكس لوجهين:
أحدهما: أن المغفور له يتعيَّن عليه وظيفة الشكر، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أفلا أكون عبدًا شكورًا [3] .
وثانيهما: أن الأعلم بالله وبأحكامه: هو الأخشى له، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: إني لأعلمكم بالله تعالى، وأشدكم له خشية وقال في موضع آخر: وأعلمكم بما أتقي الله.
ويُستفاد من هذا الحديث النهي عن التنطع في الدين، وعن الأخذ بالتشديد
(1) سبق تخريجه.
(2) في التلخيص: عني أمر ترخصتُ فيه فكرهوه.
(3) رواه أحمد (4/ 255) ، والبخاري (4836) ، ومسلم (2819) (80) ، والترمذي (412) ، والنسائي (3/ 219) ، وابن ماجه (1419) .