فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 565

ولا بد لأهل الإيمان وقد عرفوا قوله تعالى (1) «من أتاني يسعى أتيته هرولة» وأن قلبه (أي قلب المؤمن) وسع جلاله وعظمته.

فتوجه العقل إليه تعالى بكله وانقطع من كل ما يأخذ عنه من هذه القوى، فعند هذا التوجه (أفاض الله عليه من نوره علما إلهيا عرّفه بأن الله تعالى من طريق المشاهدة والتجلي، لا يقبله كون ولا يردّه كون) ولذلك قال الله تعالى: {إِنَّ فِي ذلِكَ} [ق: 37] يشير إلى العلم بالله من حيث المشاهدة {لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37] ولم يقل غير ذلك القوة كقوة وراء طور العقل تصل العبد بالرب.

فإن القلب معلوم بالتقلب في الأحوال دائما فهو لا يبقى على حالة واحدة فكذلك التجليات الإلهية، فمن لم يشهد التجليات بقلبه ينكرها بعقله، فإن العقل يقيّد غيره من القوى إلا القلب فإنه لا يتقيد وهو سريع التقلب في كل حال ولذا قال الشارع: «إن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء» .

فهو يتقلب بتقلب التجليات، والعقل ليس كذلك، فالقلب هو القوة التي وراء طور العقل، فلو أراد الحق في هذه الآية بالقلب أنه العقل ما قال {لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37] ، فإن كل إنسان له عقل وما كلّ إنسان يعطى هذه القوى التي وراء طور العقل، المسماة قلبا في هذه الآية، فلذلك قال {لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ (2) } [ق: 37] .

(1) حديث «إذا تقرب إلي العبد شبرا تقربت إليه ذراعا ... » رواه البخاري عن أنس وأبي هريرة وأبي عوان والطبري عن سليمان.

(2) «الفتوحات المكية» ص 443.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت