شئت من الله الهدى، قال الله تعالى: {والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا} [العنكبوت: 69] . وقال أيضا:
{وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ (1) } [العنكبوت: 6] .
وقال ابن عجيبة رحمه الله تعالى: (لا بد للمريد في أول دخوله الطريق من مجاهدة ومكابدة وصدق وتصديق، وهي مظهر ومجلاة للنهايات، فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته، فمن رأيناه جادّا في طلب الحق باذلا نفسه وفلسه وروحه وعزه وجاهه ابتغاء الوصول إلى التحقق بالعبودية والقيام بوظائف الربوبية؛ علمنا إشراق نهايته بالوصول إلى محبوبه، وإذ رأيناه مقصّرا علمنا قصوره عما هنالك) (2) .
قال محي الدين بن عربي رحمه الله (من كتاب «الفتوحات المكية» الرياضات والخلوات والمجاهدات وأثرها) :
«ولما رأت عقول أهل الإيمان بالله تعالى أن الله تعالى قد طلب منها أن تعرفه بعد أن عرفته بأدلتها النظرية، علمت أن ثمّ علما آخر بالله لا تصل إليه من طريق الفكر، فاستعملت الرياضات والخلوات والمجاهدات وقطع العلائق، والانفراد والجلوس مع الله بتفريغ المحل، وتقديس القلب عن شوائب الأفكار؛ إذ كان متعلّق الأفكار الأكوان، واتخذت هذه الطريقة من الأنبياء والرسل، وسمعت أن الحق جل جلاله (3) ينزل إلى عباده ويستعطفهم فعلمت أن الطريق إليه من جهته أقرب إليه من الطريق من فكرها.
(1) «الحديقة الندية شرح الطريقة المحمدية» ج 1/ص 455.
(2) «إيقاظ الهمم في شرح الحكم» ج 2/ص 370.
(3) حديث «ينزل الله إلى السماء الدنيا ... الخ» . رواه الدارمي في باب الصلاة.