فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 565

لا لتكفر، فلما رأيت سوء أدبها منعتها، حتى إذا ذلّت وانقمعت، ورآني ربي مجاهدا في ذاته حق جهاده، هداني سبيله كما وعد الله تعالى: {والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] فصرت عنده بالمجاهدة محسنا فكان الله معي، ومن كان مع الله فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل، وقذف في القلب من النور نورا عاجلا في دار الدنيا حتى يوصله إلى ثواب الآجل. ألا ترى إلى ما جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إذا قذف النور في قلب عبد انفسح وانشرح» . قيل: يا رسول الله فهل لذلك من علامة؟ قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله» وإنما تجافى عن دار الغرور بما قذف في قلبه من النور فأبصر به عيوب الدنيا ودواهيها وآفاتها وخداعها وخرابها، فغاب عن قلبه البغي والرياء والسمعة والمباهاة والفخر والخيلاء والحسد، لأن ذلك إنما كان أصله من تعظيم الدنيا وحلاوتها في قلبه، وحبه لها، وكان سبب نجاته من هذه الآفات - برحمة الله - رياضته هذه النفس بمنع الشهوات منها) (1) .

وقد تسرع بعض الناس فزعموا جهلا أن التصوف في مجاهداته ينحدر من أصل بوذي أو براهيمي، ويلتقي مع الانحرافات الدينية في النصرانية وغيرها التي تعتبر تعذيب الجسد طريقا إلى إشراق الروح وانطلاقها، ومنهم من جعل التصوف امتدادا لنزعة الرهبنة التي ظهرت في ثلاثة رهط سألوا عن عبادة النبي صلّى الله عليه وسلّم، فلما أخبروا عنها كأنهم تقالّوها، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثاني: أما أنا فأقوم الليل

(1) كتاب «الرياضة وأدب النفس» للحكيم الترمذي ص 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت