فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 565

فجعلوا تلازما بينهما فوقعوا في الكاملين قياسا على المنحرفين.

وبعد، فإن منتهى آمال السالكين ترقية نفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا إلى مطلوبهم، والنفس تترقى بالمجاهدة والرياضة من كونها أمّارة إلى كونها لوّامة وملهمة وراضية ومرضيّة ومطمئنة ... إلخ، فالمجاهدة ضرورية للسالك في جميع مراحل سيره إلى الله تعالى، ولا تنتهي إلا بالوصول إلى درجة العصمة؛ وهذه لا تكون إلا للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسّلام.

وبهذا ندرك خطأ بعض السالكين الذي لم يحكموا شرط سيرهم - وهو مجاهدة النفس - ثم يدّعون لأنفسهم المحبة، ويترنمون بكلام المحبين، وينشدون قول ابن الفارض تأييدا لمذهبهم:

وعن مذهبي في الحب ما لي مذهب وإن ملت يوما عنه فارقت ملّتي

وما علموا كيف كانت بداية ابن الفارض من حيث مجاهدته لنفسه، وإليك بعض كلامه يصف مجاهداته في سيره مما يدل على أهمية المجاهدة مع العلم أنه ابتدأ سيره إلى الله تعالى من نفس لوامة لا أمارة بالسوء، ويبين أن السالك الذي لا مجاهدة له لا سير له ولا محبة له:

فنفسي كانت قبل لوّامة متى ... أطعها عصت، أو أعص كانت مطيعتي

فأوردتها ما الموت أيسر بعضه ... وأتعبتها كيما تكون مريحتي

فعادت ومهما حمّلته تحملت‍ ... ـه مني وإن خفّفت عنها تأذّت

وأذهبت في تهذيبها كلّ لذة ... بإبعادها عن عادها فاطمأنت

ولم يبق هول دونها ما ركبته ... وأشهد نفسي فيه غير زكيّة

ولهذا كان ابن الفارض يعرّض بمدّعي المحبة الذين لم يتركوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت