فذكروا الله مادوا [أي تحركوا] كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تنبلّ - والله - ثيابهم) (1) .
ويهمنا من عبارة الإمام علي رضي الله عنه قوله: (مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح) ، فإنك تجده صريحا في الاهتزاز، ويبطل قول من يدّعي أنه بدعة محرمة، ويثبت إباحة الحركة في الذكر مطلقا.
وقد استدل الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله بهذا الحديث في إحدى رسائله على ندب الاهتزاز بالذكر، وقال: هذا صريح بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتحركون حركة شديدة في الذكر. على أن الرجل غير مؤاخذ حين يتحرك ويقوم ويقعد على أي نوع كان حيث إنه لم يأت بمعصية ولم يقصدها كما ذكرنا.
إلاّ أن هناك جماعة من الدخلاء على الصوفية - نسبوا أنفسهم إليهم وهم منهم براء - شوّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من بدع ضالة، وأفعال منكرة، تحرمها الشريعة الغراء؛ كاستعمال آلات الطرب المحظورة، والاجتماع المقصود بالأحداث، والغناء الفاحش، فلم يعد وسيلة عملية لتطهير القلب من أدرانه، وصلته بالله تعالى، بل صار لتسلية النفوس الغافلة، وتحقيق الأغراض الدنيئة.
ومما يؤسف له أن بعض أدعياء العلم قد تهجموا على حلق الذكر ولم يميزوا بين هؤلاء الدخلاء المنحرفين وبين الذاكرين السالكين المخلصين الذي يزيدهم ذكر الله رسوخا في الإيمان، واستقامة في المعاملة، وسموّا في الخلق واطمئنانا في القلب.
(1) «البداية والنهاية في التاريخ» للإمام الحافظ المفسر المؤرخ إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي المتوفى 774 هـ. ج 8/ص 6. وأخرجه أيضا أبو نعيم في «الحلية» ج 1/ص 76.