ولما كانت الغاية من الإنشاد الإرشاد والمواعظ والفوائد، حيث إن من طبيعة سماعه إثارة كوامن النفوس، وتهييج مكنونات القلوب، بما فيها من الأنس بالحضرة القدسية، والشوق إلى الأنوار المحمدية، مما اتصف به ساداتنا الصوفية الذين لم يحجبوا بالأصوات لهوا، ولا يجتمعون عبثا، وهم في واد والناس في واد آخر، والسر أنهم سمعوا ما لم يسمع الناس، وعرفوا ما لم يعرف الناس، فسماعهم يثير أحوالهم الحسنة، ويظهر وجدهم، ويبعث ساكن الشوق ويحرك القلب، ولما كانت قلوبهم بربهم متعلقة، وعليه عاكفة، وفي حضرة قربه قائمة؛ فالسماع يسقي أرواحهم، ويسرع في سيرهم إلى الله تعالى، خلافا لسماع الفسقة اللئام؛ يجتمعون على اللهو وآلات الطرب، فيبعث ما في قلوبهم من الفحش والفسق، وينسيهم واجباتهم تجاه الله تعالى، وعلى ذلك لا يمكن قياس الأبرار بالفجار، ولا الصالحين على الطالحين.
وفي معرض الحديث عن فوائد الاستماع لدى ساداتنا الصوفية يطيب للنفس ذكر بعض الشواهد المروية عنهم، فمنها:
ما قاله مسلم العباداني: (قدم علينا صالح المري، وعتبة الغلام، وعبد الواحد بن زيد، ومسلم الأسواري، ونزلوا على الساحل ذات ليلة، فهيأت لهم طعاما، ودعوتهم إليه، فجاؤوا إليّ، ولما وضعت الطعام بين أيديهم قال قائل:
وتلهيك عن دار الخلود مطاعم ... ولذة نفس غيّها غير نافع
= الشهير بالنحلاوي ص 93.