فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 565

فقال سمعته وهو يقول: [اسع تر بري] . ألا ترى أن حركة وجده من حيث هو فيه، لا من قول القائل ولا قصده؟.

كما روي عن بعض الشيوخ أنه سمع قائلا يقول: [الخيار عشرة بحبة] . فغلبه الوجد، فسئل عن ذلك فقال: [إذا كان الخيار عشرة بحبة، فما قيمة الأشرار؟!] .

فالمحترق بحب الله تعالى لا تمنعه الألفاظ الكثيفة عن فهم المعاني اللطيفة حيث لم يكن واقفا مع نغمة، ولا مشاهدة صورة، فمن ظن أن السماع يرجع إلى رقة المعنى. وطيب النغمة، فهو بعيد من السماع.

قالوا: وإنما السماع حقيقة ربانية ولطيفة روحانية، تسري من السميع المسمع إلى الأسرار بلطائف التحف والأنوار، فتمحق من القلب ما لم يكن، ويبقى فيه ما لم يزل، فهو سماع حق بحق من حق.

قالوا: وأما الحال الذي يلحق المتواجد فمن ضعف حاله عن تحمل الوارد، وذلك لازدحام أنوار اللطائف في دخول باب القلب، فيلحقه دهش، فيعبث بجوارحه، ويستريح إلى الصعقة والصرخة والشهقة، وأكثر ما يكون ذلك لأهل البدايات. وأما أهل النهايات فالغالب عليهم السكون والثبوت لانشراح صدورهم، واتساع سرائرهم للوارد عليهم، فهم في سكونهم متحركون، وفي ثبوتهم متقلقلون، كما قيل لأبي القاسم الجنيد رضي الله عنه: ما لنا لا نراك تتحرك عند السماع؟! فقال: {وتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحابِ} [النمل:] ) (1) .

(1) «غذاء الألباب» 1/ 137.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت