فبكائي ربما أرّقها ... وبكاها ربما أرّقني
ولقد أشكو فما أفهمها ... ولقد تشكو فما تفهمني
غير أني بالجوى أعرفها ... وهي أيضا بالجوى تعرفني
قال: فما بقي أحد من القوم إلا قام وتواجد، ولم يحصل لهم هذا الوجد من العلم الذي خاضوا فيه، وإن كان العلم جدا وحقا) (1) .
قال السفاريني في «غذاء الألباب» : (والسماع مهيج لما في القلوب، محرك لما فيها، فلما كانت قلوب القوم معمورة بذكر الله تعالى، صافية من كدر الشهوات، محترقة بحب الله، ليس فيها سواه، الشوق والوجد والهيجان والقلق كامن في قلوبهم كمون النار في الزناد، فلا تظهر إلا بمصادفة ما يشاكلها؛ فمراد القوم فيما يسمعون إنما هو مصادف ما في قلوبهم فيستثيره بصدمة طروقه، وقوة سلطانه، فتعجز القلوب عن الثبوت عند اصطدامه، فتبعث الجوارح بالحركات والصرخات والصعقات لثوران ما في القلوب، لا أن السماع يحدث في القلوب شيئا.
ولهذا قال أبو القاسم الجنيد قدس الله سره: (السماع لا يحدث في القلوب شيئا، وإنما هو مهيج ما فيها. فتراهم يهيجون من وجدهم، وينطقون من حيث قصدهم، ويتواجدون من حيث كامنات سرائرهم، لا من حيث قول الشاعر، ولا يلتفتون إلى الألفاظ لأن الفهم سبق إلى ما يتخيله الذهن.
وشاهد ذلك كما حكي: أن أبا حكمان الصوفي سمع رجلا يطوف وينادي: [يا سعتر بري] فسقط وغشي عليه، فلما أفاق قيل له في ذلك،
(1) الإحياء. ج 2/ص 263