وقال الكرماني رحمه الله تعالى في شرحه لحديث عائشة رضي الله عنها المذكور: (ثم حبب إليه الخلاء بالمد وهو الخلوة، وهو شأن الصالحين وعباد الله العارفين، حببت إليه العزلة لأن فيها فراغ القلب، وهي معينة على التعبد وبها ينقطع عن مألوفات البشر ويخشع قلبه) (1) .
هذه أقوال علماء الحديث وشراحه في الخلوة من حيث تسميتها، ومن حيث مشروعيتها، ومن حيث فوائدها، ومن حيث اعتناء السلف الصالح بها؛ فليقل المغرضون بعد ذلك ما شاؤوا.
وما أحسن قول البوصيري رحمه الله تعالى في همزيته يصف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بدايته:
ألف النسك والعبادة والخلوة طفلا وهكذا النجباء
قال شارح الهمزية محمد بن أحمد بنيس رحمه الله تعالى: (وروى ابن إسحاق وغيره أنه عليه الصلاة والسّلام كان يخرج إلى حراء شهرا في كل عام يتنسّك فيه.
وقال المناوي رحمه الله تعالى: حبب إليه صلّى الله عليه وسلّم الخلاء والانفراد والنفور من المخالطة حتى في الأهل والمال والعيال بالكلية، واستغرق في بحر الأذكار العلية، فانقطع عن الأضداد، فاستشعر حصول المراد، وحصل له الأنس بالخلوة، فتذكر من أجل ذلك الجلوة، ولم يزل ذلك الأنس يتضاعف، ومرآته تزداد من الصفاء والصقال، حتى بلغ أقصى درجات الكمال، فظهرت تباشير صبح الوحي وأشرقت، وانتشرت بروق السعادة وأبرقت، فكان لا يمر بشجر وحجر، إلا قال بلسان
(1) «شرح صحيح البخاري» للعلامة الكرماني ج 1/ص 32.