ويفرغ له كثيرا من وقته للاستجمام والاستشفاء والراحة، فإذا دعي إلى تطبيب قلبه وتهذيب نفسه، في فترة وجيزة يخلو فيها بربه، إذا به يعرض ويستغرب، ويعتبر ذلك - لجهله - ضياعا للوقت، وابتداعا لا أصل له في الدين. فمثل هذا ينطبق عليه قول بعضهم:
تطبّب جسمك الفاني ليبقى ... وتترك قلبك الباقي مريضا
فلو فهم حقيقة الإسلام، وأنه دعا لإصلاح الأبدان والقلوب معا لاهتم بقلبه، كما يهتم بجسمه:
يا خادم الجسم كم تسعى ... لخدمته أتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
فعلى المؤمن أن تكون له خلوات يراقب بها ربه، ويحاسب نفسه على ما قدمت من خير أو شر.
ولقد كان شيخي وسيدي محمد الهاشمي رحمه الله تعالى يرغب مريديه بالخلوة حيث يجلس المريد منفردا في مكان منعزل عن الناس بعيد عن صخب الدنيا وضوضائها، ثم يأذن له الشيخ بذكر الاسم المفرد [الله] ليردده مستغرقا جميع أوقاته في الليل والنهار، لا يتوقف إلا لصلاة أو طعام أو نوم، ولا يشغل نفسه بالتحدث إلى الناس، بل يتفرغ للذكر موافقة لقوله تعالى: {واُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8] .
ويواصل الذكر ملاحظا قلبه طاردا عنه أنواع الوساوس والخواطر وصور الأكوان، جامعا قلبه على الله تعالى، مستعينا بما يمنحه شيخه من خبرته ومعارفه وأحواله وتوجيهاته.
وحينئذ ينفذ الذكر إلى سويداء قلبه؛ فيرتسم الاسم المفرد فيه، وترتحل عنه الغفلة، وتزول الأغيار، ويشعر بحلاوة الأنس بالله تعالى،