باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة» (1) . واستحق - ببشارة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - إظلال الله تعالى له يوم الحر الأكبر في ظل عرشه والناس في حر الشمس، قد صهرتهم في ذلك الموقف الرهيب.
وأخيرا فلعل القارئ الكريم بعد هذه النصوص الصريحة والنقول الكثيرة عن العلماء الأعلام الذين نأخذ عنهم تعاليم ديننا تبيّن له أن الخلوة مشروعة في الإسلام، وليست مبتدعة، وأنها ليست غاية تقصد، بل وسيلة لشفاء القلب من علله وأمراضه، حتى يكون سليما، فينجو صاحبه يوم الحساب الأكبر {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ (88) إِلّا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 - 89] .
وليست الخلوة عزلة دائمة، وانزواء مستمرا عن الناس، فكما أن المريض يقضي فترة يسيرة من الوقت في المستشفى كي يتخلص من أمراضه الجسدية، ثم يخرج للعمل بصحة أوفر ومناعة أقوى، متلذذا بنعيم العافية؛ فكذلك المسلم يقضي في الخلوة فترة يسيرة، يخرج بعدها للحياة العملية، قوي الصلة بربه، عامر القلب بالإيمان واليقين متمتعا بالمناعة القوية من تسرب بهارج الحياة الخادعة ومفاتنها المغرية إلى نفسه، وخصوصا بعد أن اطلع على حقائقها الفانية، وتذوّق معنى قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ} [الرحمن: 26] .
فكم نرى من الناس من يهتم بجسمه الفاني ويوفر له أسباب الصحة،
(1) من حديث قدسي أوله: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا ... » . الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد عن أبي هريرة رضي الله عنه.