وفي هذه الخلوة يذكر الصوفي ربه خاليا فيغمره بأنواره ويحظى بمجالسته «أهل ذكري أهل مجالستي» (1) . لا يدور بخلده أي طائف يشغله عن ربه، حتى إنه لينسى نفسه في حضرة القدس الأعلى.
وما أحسن قول عمر بن الفارض رحمه الله تعالى معبرا عن تلك الحالة الشائقة:
ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا ... سرّ أرقّ من النسيم إذا سرى
فدهشت بين جماله وجلاله ... وغدا لسان الحال عني مخبرا
فتفيض عيناه دمعا مما عرف من الحق، ذاهلا بالله خاشعا له مستأنسا بحضرته:
وليّ الله ليس له أنيس ... سوى الرحمن فهو له جليس
فيذكره ويذكره فيبكي ... وحيد الدهر جوهره نفيس
فالعبد المقصر إذا أراد اللحاق بهؤلاء الأولياء المخلصين خلا بنفسه الأمارة بالسوء؛ فعاتبها وزجرها وصدق في سيره إلى ربه، فرقّ قلبه، وذرفت عيناه بالدمع حزنا وأسفا على ضياع عمره في اللهو والغفلة قائلا:
على نفسه فليبك من ضاع عمره ... وليس له فيها نصيب ولا سهم
فانتبه من رقدته، وصحا من غفلته، وأقبل على ربه راجيا عفوه وغفرانه ومعاهدا إياه على طاعته وعبادته، ففرح الله بتوبته حين تاب، وأقبل عليه حين تقرب منه. قال تعالى في الحديث القدسي: «وإن تقرّب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا، وإذا تقرّب إليّ ذراعا تقربت إليه
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث طويل.