والكرامة مختص به دونهم فما معنى الاشتغال بهم والانقطاع معهم؟!.
وليعلم أن هذه الوحشة لا تدوم، بل هي من عوارض الطريق، فسوف تبدو له الخيام، وسوف يخرج عليه المتلقون يهنئونه بالسلامة والوصول إليهم، فيا قرة عينه إذ ذاك، ويا فرحته إذ يقول: {يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 26 - 27] (1) .
ويختلف الواصلون في وصولهم إلى الله تعالى كل على حسب مقامه وهمته:
فمنهم من وصل في سيره إلى وحدة الأفعال ذوقا وشهودا، ويفنى فعله وفعل غيره، ويتذوق معنى قوله تعالى: {وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى} [الأنفال: 17] . وهذه رتبة في الوصول.
ومنهم من يصل في سيره إلى وحدة الصفات ذوقا وشهودا، فيتذوق معنى قوله تعالى: {وما تَشاؤُنَ إِلّا أَنْ يَشاءَ الله} [الدهر: 30] . ويتذوق معنى الحديث القدسي: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به» (2) . وهذه رتبة في الوصول.
ومنهم من يترقى إلى مقام الفناء في الذات، فيشهد عرضية كل شيء مقابل وجود الحق عز وجل، وتفيض عليه أنوار اليقين، ولسان حاله يقول:
وجودي أن أغيب عن الوجود ... بما يبدو عليّ من الشهود
ويتذوق قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
(1) «طريق الهجرتين» لابن القيم ص 232 - 233.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق عن أبي هريرة رضي الله عنه.