فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 565

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج يوما من بيته، يطوي بطنه على الجوع، فالتقى بصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فعلم منهما أن أمرهما كأمره، وأنهما لا يجدان قوت يومهما، والتقى بهم رجل من الأنصار، لم تخدعه بشاشتهم، فعلم أمرهم فاستضافهم، فلما وصلوا إلى منزله وجدوا تمرا وماء باردا وظلا وارفا، فلمّا تبلّغوا بتمرات، وشربوا من الماء، قال صلوات الله وسلامه عليه: «هذا من النعيم الذي تسألون عنه» (1) .

أيّ نعيم هذا حتى يسألوا عنه، ويحاسبوا عليه؟! بضع تمرات، وجرعة ماء تنقع الغليل، يعتبرها الرسول صلّى الله عليه وسلّم من النعيم الذي يسألهم ربهم عنه يوم القيامة. أ ليس في هذه اللفتة الكريمة من الرسول صلّى الله عليه وسلّم نفحة ترمي إلى طبع النفس بطابع الوازع القوي والإحساس المرهف والشعور الدقيق والتبعة الكبرى والمسؤولية الضخمة في كل تصرف تهدف إليه النفس بين حين وآخر؟

وإن المحاسبة لتثمر الشعور بالمسؤولية تجاه الله تعالى وتجاه خلقه، وتجاه النفس المكلفة بالتكاليف الشرعية من أوامر ونواه. فبالمحاسبة يفهم الإنسان أنه ما وجد عبثا، وأنه لا بدّ راجع إلى الله تعالى، كما أخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة» (2) .

(1) «تفسير ابن كثير» ج 4/ص 545 موجزا.

(2) رواه مسلم في كتاب الزكاة عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، والترمذي في كتاب صفة القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت