تحقيق العبودية والقيام بوظائف الربوبية محبة وشوقا إلى رؤيته، كما قال ابن الفارض:
ليس سؤلي من الجنان نعيما ... غير أني أحبها لأراكا
وقال آخر:
كلهم يعبدون من خوف نار ... ويرون النجاة حظا جزيلا
أو بأن يسكنوا الجنان فيضحوا ... في رياض ويشربوا السلسبيلا
ليس لي في الجنان والنار رأي ... أنا لا أبتغي بحبّي بديلا
وقال: والحاصل لا يمكن الخروج من النفس والتخلص من دقائق الرياء من غير شيخ أبدا. والله تعالى أعلم) (1) .
وأسمى مقاصد الصوفية أن يرتقوا بإخلاصهم إلى أرفع الدرجات ويعبدوا الله مبتغين وجهه دون أن يقصدوا ثوابا:
فما مقصودهم جنات عدن ... ولا الحور الحسان ولا الخيام
سوى نظر الجليل وذا مناهم ... وهذا مقصد القوم الكرام
كما قالت رابعة: ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك، وإنما عبدتك لذاتك. فلو لم يكن ثمّة ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، لما تأخروا عن عبادتهم ولما انثنوا عن طاعاتهم لأنهم يعبدون الله لله، ولأن أعمالهم تصدر عن قلب عمّره حبّ الله وحده، وطلب قربه ورضوانه، بعد أن أدركوا نعمه وآلاءه، وذاقوا برّه وإحسانه.
وليس معنى هذا أنهم لا يحبون دخول الجنة، ولا يرغبون في البعد
(1) «إيقاظ الهمم في شرح الحكم» ج 1/ص 25 - 26.