فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 565

عن النار - كما فهم بعض الحمقى من أعداء التصوف - (1) فهم يكرهون النار ويخافونها لأنها مظهر سخط الله وغضبه ونقمته، ويحبون الجنة ويطلبونها لأنها مظهر حب الله ورضاه وقربه، كما قالت آسية زوجة فرعون: {رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم: 11] . فهي قد طلبت العندية والقرب قبل أن تطلب الجنة، طلبت الجوار قبل الدار.

وما حبّ الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا

ولم تكن رغبتها في الجنة إلا لنوال الحب والقرب والرضا منه تعالى.

وهكذا عند ما ترتفع همة العبد وتسمو غاياته يترفّع عن ملاحظة لذائذه البدنية ومنافعه الشخصية، سواء كانت دنيوية أم أخروية، ويبغي في جميع عباداته الحب والقرب، والتحقق بالعبودية الخالصة، فعلى قدر همة العبد يكون مطلبه.

ولا نقصد من هذا أن الذي يبغي من طاعاته وعباداته النعيم الأخروي والتمتع بلذائذ الجنة، أو الخلاص من عذاب النار، أنه منحرف ضال، ولا ندّعي أنه محروم من وعد الله؛ بل هو مؤمن طائع صالح، إلا أن مرتبته أدنى من مرتبة أولئك الذين سمت نياتهم، وارتفعت هممهم في إخلاصهم لربهم.

قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى: (القيام بالأوامر والنواهي لله

(1) فإن بعضهم أخذ يندد بكلام رابعة العدوية، واتهمها بأنها فقدت الرغبة والرهبة. وهذا جهل ومغالطة فإنها لم تخرج عن حدود الرغبة والرهبة، ولكنها سمت بهما وارتفعت، فكانت رغبتها في رضاء الله وقربه وحبه، ورهبتها من غضبه وبعده، فكلما عظم إيمان المرء ازدادت رهبته وسمت رغبته، وكم كانت رابعة كثيرة البكاء والخوف والنحيب؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت