من ماله، غير مكترث بعظم هذه النفقات بجانب رضاء الله، ولبالغ تضحيته وإيثاره وعزوفه عن الدنيا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حقه: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم» (1) .
وكتب السيرة طافحة بأخبار زهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم وزهد أصحابه الكرام رضوان الله عليهم. ويضيق المجال عن التفصيل، ونكتفي بذكر النبذ اليسيرة التالية:
عن نافع قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: (والله ما شمل النبي صلّى الله عليه وسلّم في بيته ولا خارج بيته ثلاثة أثواب، ولا شمل أبا بكر في بيته ثلاثة أثواب، غير أني كنت أرى كساهم إذا أحرموا، كان لكل واحد منهم مئزر ومشمل لعلها كلها بثمن درع أحدكم، والله لقد رأيت النبي صلّى الله عليه وسلّم يرقع ثوبه، ورأيت أبا بكر تخلل بالعباءة، ورأيت عمر يرقع جبته برقاع من أدم وهو أمير المؤمنين، وإني لأعرف في وقتي هذا من يجيز المائة، ولو شئت لقلت ألفا(2) .
وقالت حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما لعمر: (يا أمير المؤمنين لو لبست ثوبا هو ألين من ثوبك، وأكلت طعاما هو ألين من طعامك، وقد وسّع الله من الرزق وأكثر من الخير، فقال: إني سأخصمك إلى نفسك، ألا تذكرين ما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يلقى من شدة العيش؟ فما زال يذكّرها حتى أبكاها، فقال لها: أما والله لئن استطعت لأشاركهما في مثل عيشهما الشديد لعلّي أدرك معهما عيشهما الرخي) (3) .
(1) رواه الترمذي في كتاب المناقب عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة.
(2) «تاريخ عمر بن الخطاب» لابن الجوزي ص 102.
(3) «تاريخ عمر بن الخطاب» لابن الجوزي ص 104.