فقام وقد أثّر في جنبه، فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء. فقال: «ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب، استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها» (1) . وتارة يشير الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى حقارة شأنها في نظر الحق سبحانه فيقول: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرا منها شربة ماء» (2) .
وهكذا سار الرسول عليه الصلاة والسّلام هو وخلفاؤه وأصحابه الكرام على هذا المنهج الكريم، فعزفت نفوسهم عن الدنيا، وزهدت قلوبهم فيها.
مرت بهم فترات من الفقر والشدائد والمحن فما ازدادوا إلا صبرا وتسليما ورضاء بحكم الله تعالى، ثم جاءتهم الدنيا صاغرة، وألقت بين أيديهم خزائنها ومقاليدها فاتخذوها سلّما للآخرة ووسيلة إلى رضوان الله تعالى، دون أن تشغل قلوبهم عن الله تعالى وطاعته، أو توقعهم في الترف والبطر، أو الكبر والغرور، أو الشح والبخل. فقد خرج أبو بكر رضي الله عنه عن ماله كله في سبيل الله، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما تركت لأهلك؟ قال: تركت الله ورسوله» (3) .
وأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهو صاحب اليد الطولى في هذا المضمار، وببذله وزهده تضرب الأمثال.
وأما عثمان رضي الله عنه فهو الذي جهز جيش العسرة، وأنفق عليه
(1) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد، وقال: حديث صحيح.
(2) رواه الترمذي في كتاب الزهد عن سهل بن سعد الساعدي. وقال: حديث حسن صحيح.
(3) رواه أبو داود في كتاب الزكاة والترمذي في كتاب المناقب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقال: حديث حسن صحيح.