الدخلاء من أدعياء التصوف وإليك بعض هذه الشبهات مع الرد عليها.
أولا: أنكر جماعة الرضا من أصله فقالوا: لا يتصور الرضا بما يخالف الهوى، وإنما يتصور الصبر فقط، فهل يعقل أن لا يحس الإنسان بألم المصائب، ولا يشعر بوقع الخطوب؟!
والجواب: إن الراضي قد يحس بالبلاء، ويتألم للمصيبة بحكم الطبع، ولكنه يرضى بها بعقله وإيمانه، لما يعتقد من عظم الأجر وجزالة الثواب على البلاء، فلا يعترض، ولا يتضجر، قال أبو علي الدقاق: (ليس الرضا أن لا تحس بالبلاء، إنما الرضا أن لا تعترض على الحكم والقضاء) (1) .
ومثله في ذلك مثل المريض الذي يحس بألم حقنة الدواء، ويشعر بمرارة العلاج، ولكنه يرضى بذلك لعلمه أنه سبب الشفاء، حتى إنه ليفرح بمن يقدم له الدواء ولو كان مرّ المذاق كريه الرائحة.
قال عمر رضي الله عنه: (ما ابتليت ببلية إلا كان لله عليّ فيها أربع نعم: إذ لم تكن في ديني، وإذ لم أحرم الرضا، وإذ لم تكن أعظم، وإذ رجوت الثواب عليها) (2) .
ومن ناحية أخرى: إن الراضي قد يحس بألم المصيبة بحكم الطبع، ولكنه يرضى بها حين يرجع إلى إيمانه بلطف الله تعالى وحكمته، وأن وراء كل فعل من أفعاله تعالى حكما خفية. ولطائف دقيقة، كما قال تعالى: {فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}
[النساء: 19] .
(1) «الرسالة القشيرية» ص 89.
(2) «شرح الطريقة المحمدية» ج 2 ص 105.