يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (1) .
ولعلوّ مقام الشكر ورفعة منزلته كان مرتقاه صعبا، والتحقق به يحتاج إلى مجاهدات وسلوك، مع الصدق والصبر والاستقامة، ولهذا كان الشاكرون نادرين، لأن الكرام قليل، وقد وصفهم الله بالقلة حين قال: {وقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ اَلشَّكُورُ} [سبأ: 13] .
كما وصف معظم الناس بعدم الشكر، بالرغم من نعم الله عليهم وسعة فضله وجوده، قال تعالى: {وإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى اَلنّاسِ ولَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ} [النمل: 73] .
ولهذا فإن الله تعالى كثيرا ما يذكّر الناس في القرآن الكريم بنعمه الكبرى ومننه العظمى، وكثيرا ما يدعو إلى التفكر في الكون، كي ندرك ما أحاطنا به من جلائل النعم وبدائع الإحسان، مما يعجز الإنسان عن تعداده والإحاطة به. كل ذلك كي نشكره تعالى حق الشكر، قال تعالى: {والله أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ اَلسَّمْعَ والْأَبْصارَ والْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 77] .
وقد وصف الله تعالى الإنسان العاقل الذي يتمتع بالنضوج الفكري والكمال الإنساني، ويبلغ سن الأربعين، بأنه يرى نعم الله المحيطة به، ويشهد فضل الله عليه، فيلجأ إلى الله تعالى ضارعا أن يوفقه للشكر. قال تعالى: {حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ} [الأحقاف: 15] .
(1) رواه أبو داود في سننه في باب الاستغفار، ورواه النسائي في كتاب الافتتاح ورواه الحاكم في «المستدرك» ج 1. ص 499. وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.