وأحسن حالة الإنسان ضدق ... وأكمل وصفه حاء وباء
فالتكاليف تسهل وتلذّ إذا ما وجد الحب:
لولاك يا سرّ الوجود ... ما طاب عيشي ولا وجودي
ولا ترنّمت في صلاتي ... ولا ركوعي ولا سجودي
وإذا تمكن الحب من القلب أخرج هذه الدنيا الفانية من سويدائه، وعاش صاحبه حياة طيبة منعمة، لا يعرف الهمّ سبيله إليه.
مر بعض الصوفية على رجل يبكي على قبر، فسأله عن سبب بكائه فقال: إنّ لي حبيبا قد مات. فقال: لقد ظلمت نفسك بحبك لحبيب يموت، فلو أحببت حبيبا لا يموت لما تعذبت بفراقه.
وفي واقعنا أمثلة كثيرة عمن يسترخص موته عند يأسه من لقاء من يحبه، أو انقطاع أمله مما تعلق قلبه به من متاع زائل. فلانتحار، وحرق النفس والترامي على صخرة الموت .. أمور كلنا نسمعها عن محبين بائسين خاسرين، وقد قيل:
فإن شئت أن تحيا حياة هنيئة ... فلا تتخذ شيئا تخاف له فقدا
فأين هؤلاء من أحباب الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم الذين أحبوا الله، ورضوا به ربا، وبرسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم رسولا، وبالإسلام دينا!
فمنهم من أحب الموت، ورحب به ليلقى من ورائه أحبابه ... (غدا ألقى الأحبة، محمدا وصحبه) (1) .
ومنهم من ضحى بنفسه ودمه في ساحات الجهاد، لينال رضوان الله
(1) قال ذلك بلال رضي الله عنه عند احتضاره. ومرّ عزوه في صفحة 293.