ويحظى بلقائه، ومنهم ومنهم .. وفرق كبير بين من يضحي بنفسه في سبيل الله تعالى، وبين من يضحي بنفسه لفقد شيء خسيس تافه:
أنت القتيل بأيّ من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
وأعلى وأغلى الثمرات التي يقطفها المحب، هو الحب المتبادل: {يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] . والرضى المتبادل: {رَضِيَ الله عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ} [البينة: 8] . والذكر المتبادل: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] .
مر عيسى عليه السّلام على طائفة من العبّاد، قد وهنت أبدانهم، وتغيرت ألوانهم من العبادة؛ فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: نحن عباد الله تعالى. فقال: ولأي شيء تعبدتم؟ قالوا: خوّفنا الله من ناره، فخفنا منها. فقال: إن الله تعالى قد أمّنكم مما خفتم منه. ثم جاوزهم لآخرين أشد منهم عبادة، فقال: لأي شيء تعبدتم؟ قالوا: شوّقنا الله جنته وما أعد فيها لأوليائه، فنحن نرجوها بعبادتنا. فقال: إن الله أعطاكم ما رجوتم. ثم جاوزهم ومر بآخرين يتعبدون فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المحبون لله عز وجل، لم نعبده خوفا من ناره، ولا شوقا إلى جنته، ولكن حبا له وتعظيما لجلاله؛ فقال أنتم أولياء الله حقا، وقد أمرت أن أقيم معكم، وأقام بين أظهرهم (1) .
يشير هذا الشاهد إلى أن الناس يتفاوتون باختلاف هممهم؛ فمنهم من يريد الدنيا؛ ومنهم من يريد الآخرة، ومنهم من يريد الله تعالى.
سمع بعض الصوفية قارئا يقرأ: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلدُّنْيا ومِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [آل عمران: 152] . فقال: وأين من يريد الله؟! ...
(1) «نور التحقيق» ص 84.