الحقيقية، والشوق إلى الأنوار الإلهية؛ وبحصول هذه السعادة يحصل للنفوس العارفة من اللذة والابتهاج ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فيجب على كل ذي لب المبادرة إلى تحصيل هذا الأمر الجليل، وورود هذا المورد السلسبيل الذي لم يصل إليه من الناس إلا القليل. فالعاشق يحنّ إلى هذا الموطن الجليل، وينجذب جملة إلى ظله الظليل ونسيمه العليل، وورود منهله العذب، فلا يشيم البرق إلا لأنه يأتي من ذلك الجناب الرفيع، ويخبر عن سر جماله البديع؛ فلهذا كان لمعان البروق يقطع بالشوق أفلاذ كبد المشوق) (1) .
بمثل هذا الذوق وصل الصوفية إلى الاطمئنان والرضا في ظلال الحب الإلهي، ورأوا متعا روحية دونها متع الحياة وشهواتها. وحسبهم أنهم يسرّون مع الله، وينعمون بقربه، ويشعرون بفضله وجوده {رَضِيَ الله عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ} [البينة: 8] . {يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] .
فاختارهم بعد ما أحبّهم ورضي عنهم، أولئك خلاصة خلقه، وخواص أحبابه، فقيل فيهم:
لله قوم أخلصوا في حبّه ... فاختارهم ورضي بهم خدّاما
قوم إذا جنّ الظلام عليهم ... أبصرت قوما سجدا وقياما
يتلذذون بذكره في ليلهم ... ويكابدون به النهار صياما
فسيغنمون عرائسا بعرائس ... ويبوّؤن من الجنان خياما
وتقرّ أعينهم بما أخفي لهم ... وسيسمعون من الجليل سلاما
(1) «مشارق أنوار القلوب» لابن الدباغ المتوفى سنة 696 هـ. ص 36.