فهرس الكتاب

الصفحة 386 من 565

يذكر ربه، والذي لا يذكر ربّه مثل الحي والميت» (1) .

فإذا واظب المؤمن على ذكر الله تعالى، وكان مستقيما على شرعه متحليا بالتقوى، مستأنسا بربه صار حيا بالله. ويقول القوم: القلوب نوعان: قلب لا يولد ولم يأن له أن يولد، بل يظل جنينا في بطن الشهوات والغي والضلال. وقلب ولد، وخرج إلى فضاء التوحيد، وحلّق في سماء المعرفة، وخلص من ظلمات النفس وشهواتها واتباع هواها، فقرّت عينه بالله تعالى وأنارت جوانبه أشعة اليقين، وجعلته مرآة شفافة، لا سبيل للشيطان إليه، ولا سلطان له عليه. وليس هذا ببعيد، فالطاقة الروحية قد انطلقت إلى عالم الغيب، وصار صاحبها حيّا بعد أن كان ميتا، ومنورا بعد أن كان مظلما، وملكيا بعد أن كان شيطانيا: {أَومَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي اَلنّاسِ} [الأنعام: 122] .

ولا شك أن تلك الأسرار الروحية، لا تدرك بمجرد الكلام، فمن لا نصيب له في شيء منها لا يضره أن يكلها إلى أربابها، وأن يعطي القوس باريها:

فللكثافة أقوام لها خلقوا ... وللمحبة أكباد وأجفان

وأدنى النصيب من هذا العلم التصديق به وتسليمه لأهله، وأقل عقوبة من ينكره أن لا يرزق منه شيئا. وهو علم الصديقين والمقربين (2) .

(1) رواه البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

(2) وفي الإحياء للغزالي بحث مستفيض في الموضوع فليرجع إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت