فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 565

وهذه الأشياء الثلاثة متكاملة منسجمة، فمن تمسّك بالأولى منها سلك الثانية فوصل إلى الثالثة، وليس بينها تعارض ولا تناقض. ولذلك يقول الصوفية في قواعدهم المشهورة: (كل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة) . وكيف تخالف الحقيقة الشريعة وهي إنما نتجت من تطبيقها.

يقول إمام الصوفية أحمد زروق رحمه الله تعالى: (لا تصوف إلا بفقه، إذ لا تعرف أحكام الله الظاهرة إلا منه. ولا فقه إلا بتصوف، إذ لا عمل إلا بصدق وتوجه لله تعالى. ولا هما [التصوف والفقه] إلا بإيمان، إذ لا يصح واحد منهما دونه. فلزم الجميع لتلازمها في الحكم، كتلازم الأجسام للأرواح، ولا وجود لها إلا فيها، كما لا حياة لها إلا بها، فافهم) (1) .

ويقول الإمام مالك رحمه الله تعالى: (من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق) (2) .

تزندق الأول لأنه نظر إلى الحقيقة مجردة عن الشريعة، فقال بالجبر وأن الإنسان لا خيار له في أمر من الأمور، فهو يتمثل قول القائل:

ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتلّ بالماء

فعطّل بذلك أحكام الشريعة والعمل بها، وأبطل حكمتها والنظر إليها.

وتفسّق الثاني لأنه لم يدخل قلبه نور التقوى، وسر الإخلاص وواعظ

(1) «قواعد التصوف» للشيخ أحمد زروق قاعدة 3. ص 3.

(2) «شرح عين العلم وزين الحلم» للإمام ملا علي القاري ج 1. ص 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت