مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ [السجدة: 24] .
وصلة المريد هي صلة روحية، لا تفصلها المسافات ولا الحواجز المادية، وإذا كانت الجدر والمسافات لا تفصل أصوات الأثير فكيف تفصل بين الأرواح المطلقة؟! لذا قالوا: (شيخك هو الذي ينفعك بعده كما ينفعك قربه) وبما أن الشيخ هو سبب هداية المريد؛ فإن المريد إذا تعلق بشيخه، وطلب منه المدد، لا يكون قد أشرك بالله تعالى، لأنه يلاحظ هنا السبب، كما أوضحناه سابقا، مع اعتقاده أن الهادي والممدّ هو الله تعالى، وأن الشيخ ليس إلا سببا، أقامه الله لهداية خلقه، وإمدادهم بالنفحات القلبية، والتوجيهات الشرعية. ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو البحر الزاخر الذي يستمد منه هؤلاء الشيوخ وعنه يصدرون.
فإذا سلمنا بقيام الصلة الروحية بين المريد وشيخه، سلمنا بقيام المدد المترتب عليها، لأن الله يرزق البعض بالبعض في أمر الدين والدنيا.
ولعل القارئ الكريم بعد هذا، قد اكتفى بهذه الأمثلة من كلام القوم، وبتلك النقول الصريحة من عباراتهم، حتى إذا ما رأى كلاما مشتبها يحتمل ويحتمل، أحسن الظن بهم، والتمس سبلا لتأويل كلامهم بعد أن تبين له أن التأويل جائز في كلام الله تعالى وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم وكلام الفقهاء والمحدثين والأصوليين والنحويين وغيرهم. ولهذا قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (يحرم على كل عاقل أن يسيء الظن بأحد من أولياء الله عز وجل، ويجب عليه أن يؤول أقوالهم وأفعالهم مادام لم يلحق بدرجتهم، ولا يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق) (1) .
(1) «اليواقيت والجواهر» ج 1. ص 11.