فهرس الكتاب

الصفحة 473 من 565

هانت الشريعة في عينيه، لما يلتذ به من حلاوة تلك الألفاظ، فيقع على أم رأسه، ويتكلم بما ظاهره أن الشريعة في جهة يختص بها أهل الغفلة، والحقيقة في جهة أخرى يختص بها أهل العرفان، ولعمري إن هذا لهو عين الزور والبهتان، وما ثمّ إلا شريعة ومقام إحسان.

وعلى كلّ فالأولى بالصوفي في هذا الزمان أن يبتعد عن الألفاظ والتعابير التي فيها إيهام أو غموض أو اشتباه (1) لئلا يوقع الناس بسوء الظن به، أو تأويل كلامه على غير ما يقصده، ولأن كثيرا من الزنادقة والدخلاء على الصوفية قد تكلموا بمثل هذه العبارات الموهمة والألفاظ المتشابهة، ليظهروا ما يكنّونه في قلوبهم من عقائد فاسدة، وليصلوا بذلك إلى إباحة المحرمات، وليبرّروا ما يقعون فيه من المنكرات والفواحش، فاختلط الحق بالباطل، وأخذ المؤمن الصادق بجريرة الفاسق المنحرف.

لهذا سيّج الصوفية بواطنهم وظواهرهم بالشريعة الغرّاء، وأوصوا تلامذتهم بالتمسك بها قولا وعملا وحالا، فهي عندهم باب الدخول وسلم الوصول، ومن حاد عنها كان من الهالكين، وقد مر بك كلام الصوفية في التمسك بالشريعة فارجع إليه في هذا الكتاب (2) .

وختاما نقول: إن تلك النقول عن العلماء الأعلام، وعن الصوفية

(1) انظر بحث بين الحقيقة والشريعة ص 381 من هذا الكتاب.

(2) أما ما ثبت من كلام أعلام الصوفية مما فيه غموض أو اشتباه فمردّه أحد سببين:

أ - إما لأنهم التزموا اصطلاحات ورموزا وإشارات لا يفهمها غيرهم كما أشرنا إلى ذلك في بحث التأويل.

ب - وإما لأنهم تكلموا بها في حالات الغلبة والشطح. ولذلك لا يجوز لمن لم يذق مذاقهم ولم يبلغ مراتبهم أن يقلدهم في هذه العبارات ويتشدق بها أمام الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت