فهرس الكتاب

الصفحة 472 من 565

وقد شدّد الصوفية النكير على قائله، وأفتوا بكفره، وحذّروا الناس من مجالسته. قال العارف بالله أبو بكر محمد بناني رحمه الله تعالى: (فاحذر يا أخي كلّ الحذر من الجلوس مع من يقول: ما ثمّ إلا الله، ويسترسل مع الهوى، فإن ذلك هو الزندقة المحضة، إذ العارف المحقق إذا صح قدمه في الشريعة، ورسخ في الحقيقة، وتفوّه بقوله: ما ثمّ إلا الله، لم يكن قصده من هذه العبارة إسقاط الشرائع وإهمال التكاليف، حاش لله أن يكون هذا قصده) (1) .

2 -الفريق الثاني: قالوا ببطلان وكفر ما ذكر؛ من أن الخالق عين المخلوق، وإنما أرادوا بوحدة الوجود وحدة الوجود القديم الأزلي، وهو الحق سبحانه، فهو لا شك واحد منزه عن التعدد. ولم يقصدوا بكلامهم الوجود العرضي المتعدد. وهو الكون الحادث، نظرا لأن وجوده مجازي، وفي أصله عدميّ لا يضر ولا ينفع. فالكون معدوم في نفسه، هالك فان في كل لحظة. قال تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] . وإنما يظهره الإيجاد، ويثبته الإمداد. الكائنات ثابتة بإثباته، وممحوة بأحدّية ذاته، وإنما يمسكه سر القيومية فيه.

وهؤلاء قسمان:

1 -قسم أخذ هذا الفهم بالاعتقاد والبرهان، ثم بالذوق والعيان، وغلب عليه الشهود، فاستغرق في لجج بحار التوحيد، ففني عن نفسه فضلا عن شهود غيره، مع استقامته على شرع الله تعالى وهذا قوله حق.

2 -وقسم ظن أن ذلك علم لفظي، فتوغل في تلاوة عباراته، وتمسّك بظواهر إشاراته، وغاب في شهودها عن شهود الحق، فربما

(1) مدارج السلوك إلى ملك الملوك للعارف الكبير محمد بناني المتوفى 1284 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت