فسلف الصوفية هم أعلام الملة وسادة الأمة وسراجها الوهاج ونورها الوضاح، وبهم وبأمثالهم من المحدّثين والفقهاء اهتدت الأمة إلى الصراط المستقيم، وسلكت المنهاج القويم، وانتظمت أحوال معاشهم، وصلحت أمور معادهم، وفازوا فوزا عظيما.
وإذا تتبعنا آثار الصوفية وتراجمهم، نجد أن الكثير منهم قد كان للواحد منهم أتباع يعدون بالألوف، كلما انتسب إليه شخص آخى بينه وبين سابقيه؛ فتمكنت بين أتباعه والمنتسبين إليه أواصر الألفة وروابط المحبة، وتواسوا فيما بينهم، وتواصوا بالحق، وعطف غنيّهم على فقيرهم، ورحم كبيرهم صغيرهم، فأصبحوا بنعمة الله إخوانا، وصاروا كالجسد الواحد، وكانوا في منتهى الطاعة والانقياد لشيخهم، يقومون لقيامه، ويقعدون لقعوده، ويمتثلون أوامره، ويتبادرون لأدنى إشاراته.
ومن جليل أعمال الصوفية وآثارهم الحسنة في الأمة الإسلامية أن الملوك والأمراء متى قصدوا الجهاد، كان الكثير من هؤلاء بإيعاز، وبغير إيعاز يحرّضون أتباعهم على الخروج إلى الجهاد. ولعظيم اعتقادهم فيهم، وانقيادهم لهم كانوا يبتدرون إلى الانتظام في سلك المجاهدين، فيجتمع بذلك عدد عظيم من أطراف ممالكهم، وكثيرا ما كان أولئك يرافقون الجيوش بأنفسهم، ويدافعون ويحرّضون؛ فيكون ذلك سببا للظفر والنصر.
وإذا تتبّعت بطون التاريخ وجدت من ذلك شيئا كثيرا، على أننا لا ننسى أن مثل هذا العمل قد كان في كثير من المحدّثين والعلماء العاملين.
ومن آثار الصوفية أنه إذا حصل اختلاف بين الناس في أمور دنياهم