فهرس الكتاب

الصفحة 507 من 565

وقد اهتم الصوفية أكبر الاهتمام بالأخلاق، بل لقد جعلوا الأخلاق في مناهجهم، هي العماد والسناد، وهي عمود أمرهم كله، بحيث لو رفعت كلمة التصوف، ووضعت بدلها كلمة الأخلاق لما فارقت الحقيقة، ولما جانبت الواقع في قليل أو كثير، لأن العمدة في التصوف على مجاهدة النفس وتطهيرها، وتحليتها بكل جمال وكمال، وهذا جماع مكارم الأخلاق.

ولقد كان من مظاهر اهتمام الصوفية بالجوانب الأخلاقية أنهم تبنّوا حركة الفتوة ومبادئ الفروسية، ومزجوا بين مبادئهم ومبادئ الفتيان، حتى تكوّن من ذلك في تاريخ الفتوة فصل مستقل، اتخذ عنوان فتوة الصوفية. ومن هذا أخذ الصوفية مبدأ الإيثار، وتقديم الغير على النفس، حتى قال القشيري: أصل الفتوة أن يكون العبد أبدا في أمر غيره. وقال ابن أبي بكر الأهوازي: أصل الفتوة ألا ترى لنفسك فضلا أبدا.

وأخذوا بمبادئ كفّ الأذى، وبذل الندى، وكفّ الشكوى، وستر البلوى، والعفو عن العدا، والسمّو إلى العلا.

وهم يأخذون بالمبدأ الأخلاقي المحمدي: «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس» (1) . ولذلك يقول ابن عطاء الله السكندري، وهو ممن جمع بين عمق التفكير وروعة التعبير: تشوّفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب.

ومن منهاج الصوفية الأخلاقي عملهم بمختلف الوسائل والأسباب على إماتة المطامع، لتقوى الشخصية الروحية في نفس الإنسان. ولذا قال أبو بكر الوراق وهو من أعلام القوم: لو قيل للطمع من أبوك؟

(1) رواه الديلمي في الفردوس عن أنس رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت