فهرس الكتاب

الصفحة 508 من 565

لأجاب: الشك في المقدور. فلو قيل له: فما هي حرفتك؟ لأجاب: اكتساب الذل، فلو قيل له: فما هي غايتك؟ لأجاب: الحرمان. وفي هذا المجال يقول ابن عطاء الله السكندري: ما بسقت أغصان ذلّ إلا على بذر طمع.

وقد قدم الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه البصرة، فدخل جامعها، فوجد القصّاص يقصون على الناس، فأقامهم، حتى إذا جاء إلى الحسن البصري، وهو سيد الفتيان عند الصوفية، فقال له علي:

يا فتى! إني سائلك عن أمر؛ فإن أجبتني أبقيتك، وإلا أقمتك كما أقمت أصحابك - وكان قد رأى عليه سمتا وهديا - فقال الحسن: سل ما شئت. فقال علي: ما ملاك الدين؟ فقال الحسن: الورع. قال:

فما فساد الدين؟ قال: الطمع. قال: اجلس، فمثلك من يتكلم على الناس.

وهمّ ابن عطاء الله السكندري يوما بشيء من الطمع، فسمع هاتفا يقول له: السلامة في الدين بترك الطمع في المخلوقين.

وصاحب الطمع لا يشبع أبدا، ألا ترى أن حروفه كلها مجوفة، الطاء والميم والعين؟!. ولما علّم الصوفية أتباعهم القناعة والاستغناء فتحوا أمامهم الباب إلى الأنفة والعزّة، ومن هنا نراهم يتحدثون كثيرا عن استخفافهم بالبغي والبغاة، وعدم اكتراثهم بالطغيان أو الطغاة، وعدم اغترارهم بالجاه أو أصحاب الجاه.

ومن منهاج الصوفية الأخلاقي الدعوة إلى التضحية والجهاد، والتحريض على استجابة داعي الكفاح والاستشهاد.

ومن منهاجهم الأخلاقي تعليم الصبر والمبالغة فيه، وكدت أقول والإسراف فيه، فلقد دخل ذو النون على أخ له صوفي مريض، واشتد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت