صلاتك مثلا إلا هل قد أتممت وضوءك على الوجه الصحيح أم لا؟ وهل صلّيت موليا وجهك شطر المسجد الحرام أم لا؟ وهل أدّيت أركان الصلاة كلها، أم لا؟ وهل قرأت في صلاتك بكل ما يجب أن تقرأ فيها أم لا؟ فإن قمت بكل ذلك فقد صحت صلاتك بحكم الفقه.
إلاّ أن الذي يهم التصوف هو ما يكون عليه قلبك حين أدائك هذه الصلاة من الحالة. هل أنبت فيها إلى ربك أم لا؟ وهل تجرّد قلبك فيها عن هموم الدنيا وشؤونها أم لا؟ وهل أنشأت فيك هذه الصلاة خشية الله واليقين بكونه خبيرا بصيرا، وعاطفة، ابتغاء وجهه الأعلى وحده أم لا؟ وإلى أيّ حدّ نزهت هذه الصلاة روحه؟ وإلى أي حد أصلحت أخلاقه؟ وإلى أي حد جعلته مؤمنا صادقا عاملا بمقتضيات إيمانه؟. فعلى قدر ما تحصل له هذه الأمور، وهي من غايات الصلاة وأغراضها الحقيقية، في صلاته تكون صلاته كاملة في نظر التصوف، وعلى قدر ما ينقصها الكمال من هذه الوجهة، تكون ناقصة في نظر التصوف.
فهكذا لا يهم الفقه في سائر الأحكام الشرعية إلا هل أدى المرء الأعمال على الوجه الذي أمره به لأدائها أم لا؟ أما التصوف فيبحث عما كان في قلبه من الإخلاص وصفاء النية وصدق الطاعة عند قيامه بهذه الأعمال.
ويمكنك أن تدرك هذا الفرق بين الفقه والتصوف بمثل أضربه لك: إنك إذا أتاك رجل، نظرت فيه من وجهتين: إحداهما: هل هو صحيح البدن كامل الأعضاء؟ أم في بدنه شيء من العرج أو العمى؟ وهل هو جميل الوجه أو دميمه؟ وهل هو لابس زيا فاخرا أو ثيابا بالية؟
والوجهة الأخرى: إنك تريد أن تعرف أخلاقه وعاداته وخصاله