أما أنها ضرر محض، فما أظن أحدا يوافق على ذلك، لأن التصوف حقيقة واقعة ككل الأشياء، يقبل أن يكون ضارا ويقبل أن يكون نافعا، يقبل أن يكون ممدوحا، ويقبل أن يكون مذموما. وحسبنا أن نقول: إن الصلاة ذاتها مدحت وذمت، فقال الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ} [الماعون: 4 - 5] . وقال سبحانه في وصف المؤمنين: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاةَ ويُؤْتُونَ اَلزَّكاةَ وهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [لقمان: 4] . وكذلك التصوف التصوف - كما قال الأستاذ فودة - في عصورنا المتأخرة كان له مزايا، وكانت له آثار واضحة، فالمسلمون في غرب أفريقيا وفي وسطها وفي جنوبها كان إيمانهم ثمرة من ثمرات التصوف.
والإمام السنوسي الكبير عند ما أراد أن يصلح بين المسلمين، اتجه أول ما اتجه إلى أن نهج منهاجا صوفيا، وكان منهاجه في ذاته عجيبا غريبا، فإنه اتخذ المريدين، ثم أراد أن يجعل من هؤلاء المريدين رجال أعمال كأحسن ما يكون رجال الأعمال، ولذلك أنشأ الزوايا. وأول زاوية أنشأها في جبل حول مكة، ثم انتقل بزواياه في الصحراء، وهذه الزوايا كانت واحات عامرة في وسط الصحراء، وبعمل رجالهم وقواتهم وتوجيههم، استنبط الماء وجعل فيها زرعا وغراسا وثمارا، ووجّههم وعلّمهم الحرب والرماية حتى أقضّوا مضاجع الإيطاليين أكثر من عشرين سنة، عند ما عجزت الدولة العثمانية عن أن تعين أهل ليبيا. واستمرت المقاومة السنوسية بهذه الزوايا، إلى أن أذلّ الله الدولة الإيطالية، وإذا السنوسية تحيا من جديد، وكنا نودّ أن تحيا كما ابتدأت طريقة صوفية عاملة قوية.
لا أودّ أن أتعرض لنشأة التصوف في الإسلام وقبل الإسلام، ولكني