لا أستطيع أن أقول إن عمر بن الخطاب لم يكن متصوفا، وهو الذي قال فيه محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم: «لو كان في هذه الأمة محدّثون لكان عمر بن الخطاب» (1) . والذي كان يعتقد فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه كان من أقرب أصحابه إلى الله، حتى إنه عند ما كان ذهب إلى العمرة وجّه إليه القول، وقال له: «لا تنسنا من دعائك يا أخي» (2) .
ولا أستطيع أن أقول: إن أبا بكر الصديق الذي كان يركب الصعب من الأمور ضابطا نفسه، والذي أثر عنه أنه قال كلاما نسب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، واختلفت الرواية في قائله: «رجعنا من الجهاد الأصغر [و هو القتال] إلى الجهاد الأكبر [و هو مجاهدة النفس] (3) » . وأبو بكر الذي يقول: فرّ من الشرف يتبعك الشرف.
وقد كان وما زال هناك موجهون وشيوخ لهم مريدون ولهم أتباع وهؤلاء هم الذين نرجو أن يعود التصوف على أيديهم كما ابتدأ.
هل نحن الآن في حاجة إلى التصوف المصلح المثمر؟
أقول: إذا كان الماضون لم يكونوا في حاجة إليه، بل كان المتصوف يعمل لله ولنفسه ولمريديه، فنحن في عصرنا هذا أشد الناس
(1) «إن من أمتي محدثين ومكلمين وإن عمر منهم» أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب المناقب عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرج مسلم في صحيحه: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر» من حديث عائشة رضي الله عنها في كتاب فضائل الصحابة.
(2) رواه أبو داود في باب الدعاء عن عمر رضي الله عنه، والترمذي في كتاب الدعوات وقال: حديث حسن صحيح، ولفظه: «أي أخيّ أشركنا في دعائك ولا تنسنا» .
(3) بل هو من حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورواه الديلمي عن جابر رضي الله عنه. راجع كشف الخفاء للعجلوني ج 1. ص 424.