وكان متواضعا حتى اشتهر بذلك ولم يسبقه أحد من رجال عصره في تواضعه.
وكان يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه. دخل عليه رجل فقبّل يد الشيخ رحمه الله تعالى؛ وأراد الشيخ أن يقبل يده، فامتنع الرجل عن ذلك وقال: أستغفر الله يا سيدي أنا لست أهلا لذلك، أنا أقبل رجلكم.
فقال الشيخ رحمه الله تعالى: إذا قبّلت رجلنا فنحن نقبل رجلكم.
وكان يحب أن يخدم إخوانه بنفسه، فيأتي الزائر، ويأتي التلميذ فيبيت عنده فيقدّم له الطعام، ويحمل له الفراش مع ضعف جسمه. وكم جئناه في منتصف الليل، وطرقنا بابه، فيفتح الباب وهو بثيابه التي يقابل بها الناس، كأنه جندي مستعد. فما رأيناه في ثوب نوم أبدا.
وكان حليما لا يغضب إلا لله. حدث أن جاءه رجل من دمشق إلى بيته وأخذ يتهجم عليه، ويتهكم به، ويتكلم بكلمات يقشعر لها جلد المسلم؛ ولكن الشيخ رضي الله عنه لم يزد على قوله له: الله يجزيك الخير، إنك تبين عيوبنا، وسوف نترك ذلك ونتحلى بالأخلاق الفاضلة. وما أن طال المقام بالرجل إلا وأقبل على الشيخ، يقبل قدميه ويديه، ويطلب منه المعذرة.
وكان كريما لا يرد سائلا. وكم رأينا أشخاصا يأتون إليه فيعطيهم ويكرمهم، ولا سيما في مواسم الخير؛ حيث يأتي الناس لبيته، وترى موائد الطعام يأتيها الناس أفواجا أفواجا يأكلون منها، ولا تزال ابتسامته في وجهه، وقد بلغ من كرمه أنه بنى داره التي في حي المهاجرين بدمشق قسمين: قسم لأهله، وقسم لتلاميذه ومريديه.
وكان من صفاته رضي الله عنه واسع الصدر وتحمل المشقة والتوجيه، وشدة الصبر مع بشاشة الوجه؛ حتى إني استغربت مرة صبره