قاتل، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم؛ مرافقتهم هي العلاج العملي الفعّال لإصلاح النفوس، وتهذيب الأخلاق، وغرس العقيدة، ورسوخ الإيمان، لأن هذه أمور لا تنال بقراءة الكتب، ومطالعة الكراريس، إنما هي خصال عملية وجدانية، تقتبس بالاقتداء، وتنال بالاستقاء القلبي والتأثر الروحي.
ومن ناحية أخرى، فكل إنسان لا يخلو من أمراض قلبية، وعلل خفية لا يدركها بنفسه، كالرياء والنفاق والغرور والحسد، والأنانية وحب الشهرة والظهور، والعجب والكبر والبخل ... بل قد يعتقد أنه أكمل الناس خلقا، وأقومهم دينا، وهذا هو الجهل المركب، والضلال المبين.
قال تعالى:
{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ اَلدُّنْيا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103 - 104] .
فكما أن المرء لا يرى عيوب وجهه إلا بمرآة صافية مستوية، تكشف له عن حقيقة حاله، فكذلك لا بد للمؤمن من أخ مؤمن مخلص ناصح صادق، أحسن منه حالا، وأقوم خلقا، وأقوى إيمانا، يصاحبه ويلازمه، فيريه عيوبه النفسية، ويكشف له عن خفايا أمراضه القلبية إما بقاله أو بحاله.
ولهذا قال عليه الصلاة والسّلام: «المؤمن مرآة المؤمن» (1) .
(1) رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه. ورواه البخاري في «الأدب المفرد» وقال الزين العراقي: إسناده حسن. «فيض القدير» ج 6/ص 252.